بالإضافة إلى تداعياتها الداخلية، تمثل الإطاحة بنظام نيكولاس مادورو نقطة تحول جيوسياسية بالغة الأهمية، من المتوقع أن تنعكس على موازين القوى في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، سواء تلك المرتبطة بمنطقة الكاريبي وأمريكا اللاتينية، أو ملفات أبعد جغرافيا عن فنزويلا، من بينها ملف الصحراء، الذي يتأثر بدوره بإعادة تشكل التحالفات وتراجع الأطر الإيديولوجية التي كانت تمنحه امتدادات خارج محيطه الإقليمي.
بالنسبة للمغرب، يمثل هذا التحول مكسبا سياسيا واقتصاديا غير مباشر، لأنه يسرع تفكك أحد المحاور الخارجية التي وفرت لسنوات، غطاء إيديولوجيا ودبلوماسيا لجبهة البوليساريو خارج إفريقيا.
ويتمثل أول هذه المكاسب في انحسار الأصوات المؤيدة للبوليساريو، والتي كانت تنشط ضمن محور سياسي وإيديولوجي يضم بالإضافة إلى فنزويلا كلا من إيران والجزائر. هذا المحور لعب دورا حاسما في إبقاء الأطروحة الانفصالية حاضرة في فضاءات بعيدة عن مجالها الجغرافي الطبيعي، ومنحها قدرة على النفاذ إلى منابر دولية لا ترتبط مباشرة بنزاع الصحراء.
كما سيترتب عن سقوط الحكم الفنزويلي بصيغته السابقة زوال أحد أعمدة الدعم السياسي والمادي للبوليساريو في أمريكا اللاتينية. فكاراكاس لم تكن تكتفي بمواقف رمزية، بل وفرت غطاء سياسيا عمليا، أمنت لجبهة البوليساريو منصات تحرك داخل تكتلات يسارية وشبكات دولية، ودعما ماليا ولوجيستيا سخيا، ما منح الطرح الانفصالي زخما يتجاوز وزنه الفعلي على الأرض.
إلى ذلك، يختفي أحد أكثر الأصوات نشاطا وحدة في المحافل الدولية، ذلك الصوت الذي دافع عن البوليساريو باسم “تحرر الشعوب” وقيم اليسار الأممي، واعتمد خطابا تعبويا صداميا بعيدا عن منطق التسويات الواقعية. ومن شأن غياب هذا الفاعل الصاخب إضعاف الكتلة العقائدية المناهضة للمغرب، الأمر الذي يعزز تدريجيا وجهة النظر التي تطرحها الرباط حول الحكم الذاتي باعتباره الحل العملي والأكثر قابلية للتطبيق.
في الجانب الاقتصادي، يضيف هذا التحول عنصرا إيجابيا لصالح المغرب. فالتغييرات المرتقبة في فنزويلا، وما قد يصاحبها من تدفقات جديدة للبترول إلى السوق الدولية، سوف تساهم ولاشك في رفع المعروض العالمي والضغط نحو انخفاض الأسعار. وبالنسبة لبلد مستورد للطاقة مثل المغرب، يشكل هذا التطور عامل توازن مهم، يخفف من عبء الفاتورة الطاقية، ويوفر هامشا أوسع للسياسات المالية في سياق دولي متقلب.

ماذا خسرت الجزائر؟
في الجهة المقابلة، تكشف الإطاحة بمادورو عن خسارة استراتيجية كبيرة للجزائر، لأنها بذلك تفقد حلقة أساسية من محور الدعم الخارجي للبوليساريو.
ففنزويلا كانت تمثل الواجهة الإيديولوجية الأكثر نشاطا وصخبا في أمريكا اللاتينية، واضطلعت بدور تصعيدي داخل المحافل الدولية، ما منح الموقف الجزائري امتدادا جغرافيا وسياسيا يتجاوز محيطه المباشر.
ومع غياب هذا الحليف، تتقلص شبكة الدعم غير المشروط، وتبرز إمكانية أن تجد الجزائر نفسها في موقع شبه منفرد في الدفاع عن البوليساريو على الساحة الدولية. هذا الوضع من شأنه أن يرفع كلفة المواجهة الدبلوماسية، ويضعف القدرة على تسويق النزاع كقضية ذات بعد عالمي، في وقت يتجه فيه المجتمع الدولي نحو مقاربات أكثر براغماتية وأقل قابلية للاصطفاف الإيديولوجي.
إلى جانب البعد السياسي، يكتسي هذا التحول حساسية اقتصادية خاصة بالنسبة للجزائر. فارتفاع المعروض العالمي من النفط، وما قد يترتب عنه من انخفاض في الأسعار، يهدد بتراجع مداخيل الميزانية التي تعتمد بشكل كبير على العائدات الطاقية. هذا الاحتمال يحد من هامش المناورة المالية، ويؤثر مباشرة في قدرة الدولة على تحمل كلفة سياسة خارجية طويلة النفس، في ملف تتراجع حوله دوائر الدعم الدولي.
في المحصلة، تعكس الإطاحة بمادورو تحولا نوعيا في البيئة المحيطة بملف الصحراء. المغرب يستفيد من تفكك المحاور الإيديولوجية ومن تراجع الأصوات الأكثر عداء، سياسيا واقتصاديا، بينما تواجه الجزائر تآكل شبكة دعمها الخارجي واحتمال العزلة الدبلوماسية، في ظل ضغوط اقتصادية مرشحة للتفاقم.

