الأحد, فبراير 8, 2026
الرئيسيةالمغرب - أمريكاواشنطن تعيد رسم سياستها في إفريقيا: "الشركات بدل البنتاغون"...وخريطة جديدة تضع المغرب...

واشنطن تعيد رسم سياستها في إفريقيا: “الشركات بدل البنتاغون”…وخريطة جديدة تضع المغرب ضمن دائرة الشركاء الطبيعيين

أصدرت واشنطن اليوم استراتيجيتها للأمن القومي لعام 2025، وذلك في وثيقة موسعة تكشف عن تحول كبير في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع القارة الإفريقية، حيث تتراجع المقاربة العسكرية لصالح رؤية جديدة تقدم الشركات والاستثمار كأدوات النفوذ الأساسية.

وتوضح الاستراتيجية العامة التي تقع في 33 صفحة ، أن المرحلة التي اعتمدت فيها الولايات المتحدة على نشر القيم الليبرالية والبرامج التقليدية للمساعدات، إلى جانب الوجود الأمني طويل الأمد، أصبحت جزءا من الماضي، وأن المقاربة المقبلة ستقوم على القوة الاقتصادية والتكنولوجية قبل أي شيء آخر.

وتبرز الوثيقة أن إفريقيا لم تعد ساحة عمليات بالنسبة للجيش الأميركي، بل فضاء واسعا للتجارة والطاقة والمعادن الحيوية. وتشدد على أن مكافحة الإرهاب ستتم عبر أدوات محدودة ومن دون أي التزامات عسكرية طويلة، في وقت تتجه فيه واشنطن إلى تعزيز حضور شركاتها في قطاعات الغاز والغاز المسال والطاقة النووية المدنية، إلى جانب المعادن الاستراتيجية التي تعتبرها ضرورية لمنافسة الصين في الصناعات المتقدمة والذكاء الاصطناعي.

وتحدد الوثيقة نوعية الشركاء الذين تبحث عنهم الولايات المتحدة في القارة ، دول مستقرة ومنفتحة اقتصاديا، قادرة على استقطاب المشاريع الأميركية، وتتوفر فيها البيئة اللازمة للاستثمار طويل المدى.

ورغم أن التقرير لا يذكر المغرب بالاسم، إلا أن عناصر الرؤية الأميركية تتقاطع بشكل واضح مع موقع الرباط داخل غرب إفريقيا، سواء في الطاقات المتجددة أو المعادن الحيوية أو البنية اللوجستية، ما يجعل المملكة مندمجة موضوعيا في التصور الجديد حتى من دون إشارة مباشرة إليها.

وتتطرق الاستراتيجية إلى ملفات النزاعات داخل القارة، مركزة على الخلاف بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، والحرب في السودان، واحتمالات تدهور الوضع بين إثيوبيا وإريتريا والصومال، بينما يغيب شمال إفريقيا بالكامل عن لائحة الأولويات الأمنية، في إشارة إلى أن واشنطن لا ترى في المنطقة تهديدا يستدعي تدخلها أو تخصيص موارد مباشرة له.

أميركا أولا..والصين في قلب استراتيجية الأمن القومي

إلى جانب التحول في إفريقيا، تقدم الاستراتيجية القومية الصادرة اليوم صورة أشمل عن إعادة ترتيب أولويات الولايات المتحدة عالميا، حيث تعيد تثبيت مبدأ “أميركا أولا” كأساس ناظم لسياساتها الخارجية والداخلية. وتضع الوثيقة ملف الهجرة على رأس هرم التهديدات، معلنة أن “عصر الهجرة الجماعية قد انتهى”، مع تشديد واضح على حماية الحدود وإعادة ضبط نظام الهجرة بوصفه جزءا من الأمن القومي الأميركي.

وتستعرض الوثيقة ما تعتبره الإدارة نجاحا في وقف عدد من النزاعات الدولية خلال الأشهر الماضية، بما في ذلك إنهاء حرب غزة وإعادة الرهائن، وتسويات بين دول في آسيا والقوقاز. وتذهب في المقابل إلى تحميل الحلفاء جزءا أكبر من تكلفة الأمن العالمي، داعية دول الناتو إلى رفع إنفاقها الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي، في خطوة تعكس تصميم واشنطن على تخفيض أعبائها الخارجية وإعادة توجيه قدراتها نحو الداخل الأميركي.

وتضع الصين في قلب التحدي الاستراتيجي للولايات المتحدة، معتبرة المنافسة معها منافسة اقتصادية وتكنولوجية بالأساس، تبدأ من حماية سلاسل التوريد وتنتهي بمنع بكين من السيطرة على الرقائق والطاقة والمعادن الحيوية. وتشدد على ضرورة ردع أي تغيير في الوضع القائم حول تايوان لما له من انعكاسات اقتصادية وجيوسياسية مباشرة على المصالح الأميركية.

وفي الشرق الأوسط، تتبنى واشنطن مقاربة أكثر براغماتية، تقلص فيها مركزية المنطقة داخل سياستها الخارجية. وتعتبر أن إيران أضعف مما كانت عليه بعد عملية Midnight Hammer، وأن اتفاقات أبراهام تشكل محور المرحلة المقبلة، مؤكدة بوضوح أن لدى الولايات المتحدة “مصلحة في توسيع الاتفاقات إلى مزيد من الدول في المنطقة والعالم الإسلامي”.

أما في أوروبا، فتقدم الاستراتيجية قراءة نقدية حادة لوضع القارة، معتبرة أنها تعيش “أزمة حضارية” وتراجعا اقتصاديا وديموغرافيا يستدعي تسوية سريعة للحرب في أوكرانيا كي لا تتحول إلى استنزاف طويل لا يخدم مصالح واشنطن، فيما تعود الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية إلى تفعيل مبدأ مونرو بصيغته الحديثة لمنع القوى الخارجية خصوصا الصين، من التوسع في نصف الكرة الغربي.

وتظهر الوثيقة في مجملها تحولا جوهريا في الرؤية الأميركية للعالم، إذ تتقدم فيها أدوات الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة على أدوات القوة الصلبة، وتتحول فيها إفريقيا إلى ساحة تنافس استثماري لا ساحة عمليات عسكرية، في وقت تعيد فيه واشنطن تعريف أولوياتها على أساس حماية الحدود، واستعادة التفوق الاقتصادي، وموازنة النفوذ الصيني عالميا، وتوسيع دائرة التحالفات القائمة على التطبيع والاندماج الاقتصادي.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة