السبت, فبراير 7, 2026
الرئيسيةوجهات نظرالصحافي الذي يبحث عن «القدم الخامسة للقط» (1/2)

الصحافي الذي يبحث عن «القدم الخامسة للقط» (1/2)

محمد بن عبد القادر : وزير مغربي سابق، باحث متخصص في العلاقات المغربية - الإسبانية *
محمد بن عبد القادر : وزير مغربي سابق، باحث متخصص في العلاقات المغربية – الإسبانية

رغم تأكيد المواثيق الأخلاقية المهنية في الصحافة على ضرورة تجنب الإثارة لحماية كرامة الأشخاص وضمان جودة المعلومة والحفاظ على النزاهة والثقة في ممارسة المهنة، يواصل عدد كبير من الصحافيين استغلال ميل الجمهور إلى كل ما هو مثير. إذ يعمدون إلى تضخيم بعض الوقائع أو المعلومات بهدف خلق تأثير قوي وجذب الانتباه، غالبا على حساب الدقة والصرامة المفترضتين.

هذه الممارسة، المناقضة للمبادئ الأخلاقية الأساسية ،مثل التحقق الصارم من الوقائع واحترام الأشخاص، تساهم رغم ذلك في استقطاب جمهور واسع، كاشفة بذلك عن مفارقة بين المقاربة التجارية أو النضالية من جهة، وبين الالتزامات الأخلاقية المهنية من جهة أخرى.

هذا النوع من الصحافيين يستخدم عادة عناوين صادمة ومفردات درامية، وصورا مثيرة، كما يعمد إلى تبسيط مخل للمعلومات، وغالبا ما يبالغ فيها أو يشوه واقعها. إنها ممارسة لا تتردد في إبراز العناصر المثيرة أو الخلافية لجذب الانتباه، ولو على حساب الجودة والموضوعية وصدق المعلومة. وقد تصل هذه الممارسة إلى حد خلق الأحداث أو تضخيمها بدل مجرد تغطيتها، في سعي إلى استقطاب جمهور أكثر من الحرص على إبلاغه بشكل دقيق.

ويعتبر الصحفي الإسباني إينياسيو سيمبريرو مثالا حيا لهذا النموذج، إذ يجسد كيف لا يتردد بعض الصحافيين في درامية الوقائع واستغلال كل ما هو مثير لإثارة الانفعال وتعظيم الأثر الإعلامي، وذلك على حساب الحقيقة والموضوعية.

وإذا كان هذا الصحفي شخصية مثيرة للجدل في كل من المغرب وإسبانيا، فليس بسبب اختياره معالجة مواضيع حساسة تخص المملكة المغربية، بل بسبب أسلوبه الصحفي المثير للجدل، المطبوع بنزعة إثارية ودرامية وتوظيفية. فمقالاته حول المغرب تتسم بتحيز سلبي مبالغ فيه، يصل أحيانا حد التشهير، إلى درجة أنه لا يتردد في اختلاق أو تلاعب بالواقع للتأثير في الرأي العام الإسباني وخداعه.

بعض المراقبين يأخذون على سيمبريرو اعتماده على التأويلات والسرديات المتكررة وعداء واضح للمغرب، وهو ما يشبه – وفق رأيهم – نوعا من النشاط الدعائي لا يمت بصلة للصحافة الاستقصائية الجادة الساعية إلى إخبار الجمهور بأكثر الطرق موثوقية. وتشير هذه الانتقادات إلى أنه أقرب إلى “مدع” دائم الاتهام من دون تقديم أدلة كافية، ما يغذي الجدل حول أعماله. وفي سياق التوترات الجيوسياسية والإعلامية المعقدة، يجد الرأي العام الإسباني نفسه معرضا، مع هذا النوع من الصحافة ، لقراءة خاطئة أو نمطية أو حتى منحازة للمغرب.

لن أتوسع هنا في أوجه انعدام الاحترافية لدى إينياسيو سيمبريرو، والتي تناولتها بالإسهاب وسائل الإعلام المغربية خلال السنوات الأخيرة، بل سأقدم زاوية جديدة لتحليل كتاباته حول المغرب، من خلال فهم منهجيته من منظور خاص: باعتباره صحافيا يستخرج معنى كتاباته دائما من التفاهات. بمعنى آخر، هو شخص يصر على درامية رؤيته للمغرب وصنع صورة لنفسه كخبير في الشؤون المغربية، لكنه لا يجد طريقا لتحقيق ذلك إلا بالبحث عن «القدم الخامسة للقط»، أي التفتيش عن أصغر التفاصيل لاختلاق أخطاء غير موجودة أو تضخيم تفاصيل لا قيمة لها في كل موضوع يتطرق إليه حول الجار الجنوبي.

إن هذا الهوس المنهجي بالبحث عن «تفصيلة» ما ليصنع منها حدثا، أو لإخراج أرنب إعلامي من قبعته لإبهار جمهوره، يشكل المفتاح الأساسي لفهم طريقة معالجته للراهن المغربي. فهو أسلوب قائم على استخدام «لمسة سحر» تقلب الوضع وتحول التفاهة إلى قضية متفجرة.

البحث عن القدم الخامسة في الأسلوب «السيمبريري» يتمثل في عادة إقحام تفصيل صغير من المفترض  أنه قادر على توجيه إدراك الرأي العام، أو إبراز عنصر هامشي يعتقد أنه قد يثير الجدل، أو حتى لي المعلومات لخلق جدال حيث لا يوجد. إنها «مبالغة في التأويل»، أو هوس مزمن باستخراج معنى مبالغ فيه من تفاصيل غالبا ما تكون تافهة أو خارج السياق، ومنحها حجما أكبر بكثير من حقيقتها، حتى لو أدى ذلك إلى فقدان الرؤية الشاملة.

سبتة التي يطالب بها المغرب

عندما نشر سيمبريرو تعليقا على حسابه في إكس (2 دجنبر 2025)، معترفا بنجاح المغرب في الحد من الهجرة غير النظامية نحو جزر الكناري والأندلس، عمد فورا إلى توجيه السرد نحو زاوية مثيرة من خلال التركيز على ما سماه «تساهلا» تجاه مدينة سبتة التي يطالب بها المغرب.

كتب يقول:

«يبذل المغرب جهودا للحد من الهجرة غير النظامية نحو الكناري والأندلس، لكنه لا يفعل ذلك تجاه سبتة التي يطالب بها. خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من هذا العام، نزل في شواطئها 3599 مهاجرا، بزيادة 46.2% مقارنة بـ2024».

ورغم أن المعلومة الأساسية تخص الكناري والأندلس، إلا أن الصحافي وبدلا من تقديم بيانات هاتين المنطقتين، ذهب يبحث عن «قدمه الخامسة» في أرقام سبتة التي لا تمثل سوى ارتفاع محدود وغير ذي أهمية. وفعل ذلك لإضفاء درامية على هذا الارتفاع البسيط، ويحول حصيلة إيجابية إجمالا إلى اتهام ضمني بالتحيز السياسي.

الفوارق الجهوية في أرقام الهجرة لم تمنع السلطات الإسبانية من الاعتراف بأن الانخفاض العام في الوافدين غير النظاميين مرتبط أساسا بعمل المغرب، الشريك الحيوي في مكافحة الهجرة السرية. غير أن سيمبريرو، بدل ترتيب النجاحات الكبرى (انخفاض الكناري/الأندلس)، فضل تكبير «استثناء سبتة» باعتبارها «مؤشرًا مريبا» مرتبطا بالمطالبة المغربية.

هكذا يبني «الخبير في المغرب» تأويلا يقلب الواقع ليضفي معنى على روايته المتخيلة، التي تزعم أن الامتناع عن «فرملة» الهجرة نحو سبتة، باعتبارها «مطالبا بها» يمثل استراتيجية محسوبة.

بهذا الأسلوب، يتم تحويل معلومة إيجابية إلى رواية منحرفة عبر تفصيل تافه أعيد تأويله سياسيا، مما يضر بالتوازن الإخباري ويغذي قراءة متشككة. وهكذا ينقض سيمبريرو على «قدمه الخامسة»، متجاهلا الانخفاض الوطني في إسبانيا (-35.9%) والدور المغربي المحوري، في محاولة لتشويه العلاقة وتحويل شراكة فعالة إلى شبهات جيوسياسية.

“ذلك المغرب الإيريدنتي”

مثال آخر على هذا التأطير الإعلامي الموجه نحو الجدل نجده في تغطية الصحافي لقرار مجلس الأمن 2797، في مقال نشره في «إل كونفيدنسيال» (1 نونبر 2025) بعنوان:

«بعد الصحراء… ماذا عن سبتة؟ دعم الأمم المتحدة سيشجع الرباط على المطالبة بإسبانيا».

بسلوك نفس الهوس الذي يميز أسلوبه، حاول الصحافي «تنوير» الرأي العام الإسباني عبر قوله:

«ما هي الخطوة التالية لذلك المغرب الإيريدنتي بعد نجاحه الدبلوماسي في الأمم المتحدة بشأن الصحراء؟ لدى الرباط أربع مطالب تجاه إسبانيا: اثنان متعلقان بالصحراء، واحد بمياه الكناري، والأهم سبتة ومليلية والجزر الجعفرية والصخور».

صحيح أن مصطلح «إيريدنتي» في الأصل وصفي يشير إلى مطالب استرجاع أراض يعتبرها بلد ما جزءا من كيانه التاريخي، إلا أن سيمبريرو يستخدم عبارة «ذلك المغرب الإيريدنتي» ليضفي على المصطلح دلالة سلبية، انسجاما مع سرديته التهجمية. يخلط بين الإيريـدنتية والتوسعية، ويسعى إلى درامية المشهد بإيهام القراء الإسبان بأن عليهم الاستعداد لـ«الأسوأ»، وأن قرار الأمم المتحدة الأخير حول الصحراء يعزز «أقصوية» المغرب أو «عدوانيته التوسعية».

وها هي مرة أخرى «القدم الخامسة» لسيمبريرو: المغرب يدمج مقترحه للحكم الذاتي ضمن الشرعية الدولية بشكل ناجح، بينما الصحافي الإسباني «المتخصص في المغرب» يقلب الإنجاز الدبلوماسي إلى تهديد وشيك، ليجعل منه إطارا صداميا مثيرا للقلق.

ومن دون أي اعتبار للسياق التاريخي والسياسي المعروف للمطالب الترابية بين البلدين، يختار سيمبريرو تغذية الشعور بالخطر، كما لو أنه يتقمص دور حارس ساحلي إسباني من حقبة إيزابيل وفرناندو يصرخ «المور على الساحل!»، محولا النقاش من تعقيد العمل الدبلوماسي إلى رؤية كاريكاتورية لمغرب «معتد» أو «مطالب مفرِط»، على حساب الموضوعية والفهم الحقيقي للرهانات.

مؤسسة تابعة للقصر الملكي

مثال ثالث على «القدم الخامسة» يظهر بوضوح في مقال نشره في «إل كونفيدنسيال» (14 غشت 2025)، حول بيان أصدرته مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج. ففي هذا المقال، يسعى إلى ضرب «عصفورين بخمس قدم واحدة»، إن صح التعبير. «القدم الأولى» هي التركيز على الصلة العائلية بين رئيسة المؤسسة والملك، حين كتب:

«مؤسسة مرتبطة بالقصر الملكي المغربي، وترأسها الأميرة لالة مريم، الشقيقة الكبرى للملك محمد السادس، أدانت الأربعاء “موجة من الأفعال المعادية للجالية المغربية” التي شهدتها إسبانيا خلال الشهر الماضي».

يختار الصحافي ، طبقا لأسلوبه ، التركيز على الهوية العائلية لرئيسة المؤسسة بدل الإشارة إلى جوهر البيان: إدانة الاعتداءات ضد الجالية المغربية. فإبراز القرابة العائلية ليس سوى محاولة لتحويل بيان ذي مضمون اجتماعي وإنساني إلى فعل سياسي خلافي. التركيز المفرط على هذه الصلة العائلية يهدف إلى إقحام الدولة المغربية في مواجهة دبلوماسية مع إسبانيا، رغم أن البيان لا يشير إلى أي نزعة صدامية. وهكذا يتم صرف الأنظار عن المهمة الثقافية والاجتماعية والإنسانية للمؤسسة.

هذا التأطير الإعلامي المنحاز يقوم على شخصنة مفرطة ذات بعد تهييجي، لإخفاء البعد الإنساني والاجتماعي للبيان. إنها مثال جديد على «البحث عن القدم الخامسة» لصناعة «سبق» وهمي على حساب المعلومة المتوازنة.

“تدخل مغربي في المدارس الإسبانية!”

أما «القدم الخامسة» الثانية في الموضوع نفسه، فتظهر عندما يضيف الصحافي:

«تسعى المؤسسة إلى الحفاظ على الصلة بين ملايين المغاربة المقيمين في الخارج وبلدهم الأصلي، كما تشجعهم على الاستثمار في المغرب. وللحفاظ على هذا الرابط أطلقت في إسبانيا، في المدارس العمومية باثنتي عشرة جهة، برنامج تدريس اللغة العربية والثقافة المغربية».

هنا يوحي الصحافي بأن المؤسسة المغربية «تتدخل» في المدارس الإسبانية، وكأن الأمر مبادرة أحادية الجانب من المغرب. لكنه تجاهل تماما الخلفية الأساسية: هذا البرنامج جزء من تعاون رسمي بين المغرب وإسبانيا، مؤطر باتفاقيات منذ عام 1980، ويشرف عليه البلدان معا عبر لجنة مشتركة، وينفذه أساتذة مغاربة بتمويل مغربي وبإشراف تربوي من الطرفين.

هذا البرنامج PLACM يهدف إلى إدماج أبناء الجالية المغربية في المجتمع الإسباني مع الحفاظ على جزء من هويتهم الثقافية، وهو معترف به رسميا من السلطات الإسبانية وتديره حكومات الجهات المستقلة.

لكن سيمبريرو يتجاهل هذا الإطار الثنائي، ليقدم البرنامج على أنه «اختراق ثقافي»، في محاولة لخلق جدل سياسي غير موجود.

وتجاهل هذا السياق يؤدي إلى قراءة مضللة تغذي خطابا إيديولوجيا، وتعمق توترات لا مبرر لها. إن تصوير مبادرة ثنائية رسمية على أنها «تدخل مغربي» ليس سوى امتداد للخط الإعلامي المعادي للمغرب، وواحد من أساليب «البحث المرضي عن القدم الخامسة».

والسؤال:

ألا يعلم الصحافي «المتخصص في المغرب» بمبدأ المعاملة بالمثل بين الدول؟

فإسبانيا نفسها تدير أكبر شبكة مدارس حكومية لها خارج أراضيها داخل المغرب، في تطوان وطنجة والعرائش والحسيمة والناظور والرباط والدار البيضاء وحتى العيون، دون أن يثير ذلك أي «اتهام بالتدخل» في المغرب.

 * النص الأصلي باللغة الإسبانية عنوانه:

El periodista que anda buscándole la quinta pata al gato

تم النشر على أطلس إنسايت بموافقة الكاتب 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة