أطلس إنسايت – الرباط | الحلقة -2-
في صيف 1952، نشرت جريدة لوموند الفرنسية تقريرا مطولا بعنوان «الغزو الأميركي للمغرب» بقلم الصحفي جان كرياش، رصدت فيه بقلق تمدد النفوذ الأميركي العسكري والاقتصادي في المغرب الخاضع آنذاك للحماية الفرنسية، معتبرة أن واشنطن لم تكتف بمساعدة فرنسا بل شرعت في بناء وجود دائم ينافسها على الأرض المغربية.
القواعد الجوية الأميركية… من “تعاون محدود” إلى “احتلال ناعم”
بدأ المقال بالتأكيد على أن الولايات المتحدة تجاوزت بكثير الاتفاق الموقع في باريس عام 1950، الذي سمح لها بإنشاء “وجود محدود” للقوات الجوية الإستراتيجية في المغرب.
لكن بعد سنتين فقط، أصبح الأميركيون يديرون خمس قواعد جوية ضخمة ويقيم فيها نحو ثلاثين ألف مدني وعسكري أميركي.
تضاعفت كلفة هذه المنشآت من 300 مليون إلى 800 مليون دولار، ما دفع لوموند إلى وصف ذلك بـ«سياسة الأمر الواقع» التي تمارسها واشنطن في مستعمرة فرنسية.

الاقتصاد في خدمة النفوذ
ونقلت الصحيفة ما ورد في تحقيق مجلة Saturday Evening Post الأميركية، التي وصفت التوسع الأميركي في المغرب بأنه “غزو”.
فالمغرب، حسب المجلة، هو “الحلقة التي تربط أميركا وإفريقيا وأوروبا”، وقواعده الجوية والبحرية تمثل الجناح الجنوبي للدفاع الأوروبي ضد السوفيات.
كما أبرز التقرير اهتمام رجال الأعمال الأميركيين بمناجم الفوسفات والكوبالت والمنغنيز، مشيرا إلى أن واشنطن تعتبر المغرب خزانا للثروات الإستراتيجية إلى جانب دوره العسكري.

تضخم الرواتب وخلل في الاقتصاد المحلي
أشارت لوموند إلى أن الحضور الأميركي أحدث اضطرابا في البنية الاقتصادية للمغرب:
الأجور التي يتقاضاها الأميركيون تتراوح ما بين 150 و200 دولار أسبوعيا وهو ما جعل تكلفة المعيشة تقفز إلى مستويات خيالية، ودفع ذلك فرنسا إلى الاحتجاج رسميا لدى واشنطن.
أما العمال المغاربة فلم يستفيدوا إلا جزئيا، بينما انتعش نشاط الوسطاء والتجار الفرنسيين.
ورأت الصحيفة أن الأميركيين يتصرفون وكأنهم في وطنهم، إذ شيدوا بيوتهم ومطاعمهم ونواديهم ودور سينماهم في الدار البيضاء والرباط ومكناس.
باريس بين القواعد الأميركية و”الخطر الإسلامي”
نقلت لوموند عن Saturday Evening Post أن القوة العسكرية في المغرب أصبحت فعليا أميركية، وأن القاذفات الأميركية المتمركزة هناك تمثل عنصرا رئيسيا في ميزان القوى بأوروبا.
لكن فرنسا، بحسب المجلة، تطالب واشنطن بأن تعترف بأن المغرب الحديث من صنعها، وأن تدعمها إذا اندلعت اضطرابات.
في المقابل، كان بعض الأميركيين ومنهم آيزنهاور يحذرون من أن الانحياز لفرنسا قد يعادي العالم الإسلامي.
قال آيزنهاور: «ما لم ندعم التطلعات المشروعة للعالم الإسلامي، فلن نستطيع الادعاء أننا لا نريد الهيمنة على أحد».
العالم الإسلامي يضغط… وباكستان تنبه واشنطن
رصدت الجريدة مواقف بعض الدول الإسلامية، خصوصا باكستان، التي بدأت تحذر الولايات المتحدة من “الاختيار بين الإسلام وفرنسا”.
ونقلت عن صحيفة Dawn في كراتشي قولها إن التحالف مع الشعوب المسلمة ضروري، وإن استمرار التبعية السياسية لباريس ولندن سيجعل واشنطن تخسر أصدقاءها الطبيعيين في الشرق الإسلامي.
الإصلاح أو الفوضى: النظرة الأميركية للمغرب
في خاتمة التقرير، عرضت لوموند ما اعتبرته خلاصة التفكير الأميركي:
يجب على فرنسا أن تقوم بـإصلاحات سياسية عاجلة في المغرب لتجنب الانفجار، لكن الاستقلال الكامل خطر في نظر الأميركيين، لأنه قد يطلق الصراعات القبلية ويهدد الاستثمارات الأجنبية.
وحسب المقال، فإن رجال الأعمال الأميركيين يعتبرون دعم النظام القائم تحت الإدارة الفرنسية “الخيار الوحيد الواقعي”، على أن تستخدم الضغوط الأميركية لتسريع “الإصلاح التدريجي” ومنع انتشار الشيوعية.
وأنهت الجريدة تقريرها بالتأكيد على أن الوجود الأميركي في المغرب لم يعد عابرا، وأن واشنطن تتصرف هناك كقوة حليفة تنافس فرنسا لا كضيف عليها.
أما فرنسا، فكانت بين نارين: تحتاج إلى المظلة الأميركية لمواجهة الاتحاد السوفياتي، لكنها تخشى أن تتحول تلك المظلة إلى ظل دائم على سيادتها في المغرب.

المحرر:
يكشف هذا التحقيق المطول الذي نشرته لوموند عام 1952 عن واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ المغرب الحديث، لحظة كان فيها البلد يعيش تحت حماية فرنسية تتصدع ببطء، بينما تتقدم قوة أخرى ألا وهي الولايات المتحدة لتحتل موقعا محوريا في شمال إفريقيا، ولكن بآليات مختلفة تماما عن أدوات الاستعمار التقليدي.
قدمت فرنسا وجودها في المغرب باعتباره “حماية”، وقدمت الولايات المتحدة وجودها باعتباره “تعاونا دفاعيا”.
لكن قراءة الأرقام والوقائع التي أوردتها الصحيفة من تضخم القواعد الأميركية إلى شبكات التموضع الاقتصادي، تكشف أن المغرب كان يتحول، قبل استقلاله، إلى مساحة تنافس بين قوتين غربيتين، لا بين قوة استعمارية واحدة وشعب محكوم.
كان الأميركيون يرون في المغرب ما هو أكثر من قاعدة عسكرية، فقد كانوا يعتبرونه بوابة نحو الشرق الأوسط، ومفصلا في الأمن الأوروبي، ومستودعا استراتيجيا للثروات المعدنية.
ولذلك لم يكن حضورهم “تقنيا” أو “مؤقتا”، بل جزءا من تصور طويل الأمد لبناء نفوذ صامت، يتقدم تحت عنوان الحداثة ومواجهة الشيوعية.
أما فرنسا، فقد أدركت أن شريكها الأطلسي يتحول على الأرض إلى منافس سياسي واقتصادي، وأن “التعاون العسكري” الذي سمحت به في 1950 فتح ثغرة في جدار الحماية الفرنسية، وجعل السيادة على المغرب مسألة تفاهم بين باريس وواشنطن، لا بين فرنسا والمغرب.
ومن هنا تأتي قوة العنوان الذي اختارته لوموند:
“الغزو الأميركي للمغرب” لم يكن غزوا بأسلحة ولا بجيوش،بل كان غزوا بالمطارات والميزانيات والصفقات والبنى التحتية، وبقدرة قوة عظمى على إعادة صياغة النفوذ في شمال إفريقيا دون رفع علم واحد.
هذا النص، بعد أكثر من سبعين عاما، يذكر بأن المغرب كان، مسرحا لتقاطعات النفوذ الدولي، وأن موقعه الجغرافي والسياسي جعله دائما في قلب حسابات القوى الكبرى، سواء في زمن الاستعمار أو في زمن الحرب الباردة.
المصدر: 18 يوليو 1952 Le Monde الاقتباس لغرض التوثيق والتحليل ضمن سلسلة “المغرب بعيون لوموند”. جميع الحقوق محفوظة للناشر الأصلي. 📜 أطلس إنسايت ينشر تباعا وثائق أرشيفية فرنسية حول المغرب، ضمن سلسلة « المغرب بعيون لوموند” التي تعيد قراءة مسار السيادة والتحولات الجيوسياسية المغربية كما رآها الآخر.

