الأحد, فبراير 8, 2026
الرئيسيةالمغرب - أوروبالماذا اختار المغرب Mistral AI الفرنسية لمشروع الذكاء الاصطناعي؟... قرار تقني أم...

لماذا اختار المغرب Mistral AI الفرنسية لمشروع الذكاء الاصطناعي؟… قرار تقني أم تموضع استراتيجي؟

قالت وزيرة الانتقال الرقمي أمل الفلاح السغروشني، وفق قصاصة لرويترز، إن المغرب يستهدف رفع مساهمة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد المغربي بنحو 100 مليار درهم (10 مليارات دولار) بحلول 2030، عبر توسيع قدرات معالجة البيانات داخل البلاد، وتطوير السحابة والألياف البصرية، وتكوين كتلة بشرية واسعة في مهارات الذكاء الاصطناعي.

وتضمن المخطط المعلن أهدافا رقمية هامة مثل خلق 50 ألف وظيفة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتكوين 200 ألف خريج في نفس المجال بحلول 2030، بالتوازي مع الحديث عن مراكز بيانات سيادية ومشاريع طاقة وبيانات كبرى.

وبرز داخل هذا الإعلان، عنصر واحد يعتبر نقطة ارتكاز كبرى تتمثل في  توقيع شراكة مع الشركة الفرنسية Mistral AI لتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في المغرب. وهو اختيار سرعان ما أثار سؤالا بسيطا لكنه حساس: لماذا وقع الاختيار على شركة أوروبية ناشئة، ولم يتم اللجوء إلى واحدة من الشركات العملاقة التي تقود القطاع عالميا؟

دوافع تتجاوز التقنية… عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من التموضع السياسي

بالإضافة إلى منطقها الربحي ، تتحرك شركات الذكاء الاصطناعي أيضا بدوافع استراتيجية تضعها بحكم تأثيرها  في قلب رهانات كبيرة،  فالدولة التي تختار شريكا في الذكاء الاصطناعي ، تختار ضمنيا “نظاما بيئيا” كاملا عبارة عن فلسفة البيانات ونمط الاستضافة، وشروط التعاقد، ومستقبل الاندماج في المنصات العالمية.

ومن هذا المنطلق، تبدو “ميسترال” خيارا قابلا للتفسير سياسيا عبر ثلاث زوايا:

أولها أن الشركة تعتبر بالنسبة لفرنسا عنوان المشروع الأوروبي في الذكاء الاصطناعي، وتحظى بغطاء سياسي معلن ودعم مؤسساتي واضح . وبذلك فإن التعاقد معها ليس مجرد ارتباط تقني، بل علاقة باختيارات محددة خاصة  بـ “ذكاء اصطناعي أوروبي” تحاول باريس تثبيته في مواجهة الهيمنة الأميركية.

ثم يبرز ثانيا عاملا التوقيت والسياق في العلاقات التي تجمع باريس والرباط في الفترة الأخيرة ،  وتحلى ذلك في خطوات التقارب المهمة بعد فترة برود بين الجانبين ، أعقبتها الزيارة الرسمية الأخيرة للرئيس الفرنسي للرباط والتوقيع على عدد مهم من الاتفاقيات شملت ميدان الذكاء الاصطناعي .  وبالتالي فإن التقاطع بين إعادة بناء المسار السياسي مع باريس وبين إطلاق تصور جديد لـالمغرب الرقمي 2030 يجعل التعاون التكنولوجي هنا امتدادا لمسار سياسي، وليس مجرد اختيار تقني محايد.

وأخيرا، يظهر الملف اللغوي الذي حضر بقوة خلال الإعداد لهذا المشروع . فالمنافسة في الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول القوة الحاسوبية، بل حول من يملك نماذج أكثر قدرة على فهم أسواق غير إنجليزية. والتالي فشركة أوروبية تعمل في بيئة متعددة اللغات تعد أكثر استعدادا للتطوير على العربية والفرنسية مقارنة ببعض المسارات التي تظل الإنجليزية فيها معيارا وحيدا.

هذه العناصر لا تثبت أن القرار سياسي بالكامل، لكنها تجعل من الصعب التعامل معه باعتباره قرارا “تقنيا صرفا”، خصوصا حين تكون الشركة نفسها موضوعا لترويج سياسي داخل بلدها.

اختبار الحجم والسيادة… الأسئلة المفتوحة التي لم يجب عنها الإعلان

بالرغم من رمزية الشراكة، تبقى نقطة “الحجم” حاضرة بقوة. فالشركة الفرنسية “ميسترال” ليست لاعبا عالميا بحجم OpenAI أو Google DeepMind أو Anthropic، ولا تملك نفس الموارد أو البنية الحوسبية أو المنظومات الاستثمارية التي جعلت الذكاء الاصطناعي مجالا تتحكم فيه الشركات الأميركية أساسا.

لهذا يبرز بعدان عمليان في تقييم هذا الاختيار.

ويرتبط البعد الأول بطبيعة الرهان نفسه،  فالتعاون مع فاعل أوروبي صاعد لا يعني امتلاك نفس القوة التقنية للشركات الكبرى المشتغلة في الميدان، لكنه يفترض أن تتم ترجمته إلى مكتسبات ملموسة داخل المغرب على مستوى نقل الخبرة، وتطوير حلول قابلة للإدماج في الإدارة والخدمات العمومية، وتوسيع قاعدة الكفاءات الوطنية من خلال التكوين.

أما البعد الثاني فيتعلق بالسيادة الرقمية، وهو الملف الأكثر حساسية في الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي يعتمد على البيانات والاستضافة وسلاسل المعالجة.

صحيح أن الخطاب الرسمي تحدث عن مراكز بيانات سيادية، وثقة المواطنين، وإطار مسؤول لحماية المعطيات، لكن حسم هذا الملف يرتبط بتفاصيل تشغيلية تهم مكان تشغيل النماذج، وآليات تدريبها، وضمانات حماية البيانات، ودرجة انخراط الشريك الخارجي في الوصول إلى المعطيات.

وفي هذا السياق، يكتسي مشروع إنشاء مركز بيانات ضخم في مدينة الداخلة جنوب البلاد أهمية خاصة، إذ تخطط المملكة لإقامته بطاقة تصل إلى 500 ميغاواط اعتمادا على الطاقات المتجددة، في خطوة ترمي إلى تعزيز قدرة المغرب على التخزين والمعالجة داخل التراب الوطني، وتقوية أمن وسيادة البيانات. هذا العنصر يعكس أن رهان الذكاء الاصطناعي في التصور المغربي لا ينحصر في البرمجيات والشراكات، بل يمتد إلى بناء بنية تحتية سيادية قادرة على تقليص الاعتماد على الاستضافة الخارجية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة