كشف تحقيق صحفي إسباني، استنادا إلى وثائق قالت منصة WikIran إنها حصلت عليها عبر عملية تسريب رقمية، عن وجود شبكة معقدة للالتفاف على العقوبات الدولية تقودها شركة إيرانية تحمل اسم Sepehr Energy Jahan (SEJ)، يقدمها التحقيق باعتبارها شركة “واجهة” مرتبطة بالبنية الأمنية في طهران.
وبحسب الوثائق التي يستند إليها التحقيق، تستخدم هذه الشبكة لتأمين تشغيل “أسطول ظل” من ناقلات النفط، ينقل الخام الإيراني إلى أطراف ثالثة عبر مسارات غير مباشرة، مع توظيف أدوات تمويه واسعة تشمل تغيير الهويات التشغيلية، وإخفاء منشأ الشحنات، والاستعانة بوسطاء وشركات واجهة.
ويضع التحقيق موانئ جزر الكناري في قلب هذه المنظومة اللوجستية، خصوصا ميناء لاس بالماس وسانتا كروث دي تينيريفي، بالنظر إلى دور الأرخبيل كإحدى أهم منصات التزود بالوقود البحري (bunkering) في الأطلسي الأوسط.
وتعرض الوثائق التي يقتبس منها التحقيق نمطا تشغيليا يتكرر مع عدد من السفن، توقفا قصيرا لأغراض خدماتية قبل استئناف الرحلة نحو مسارات أخرى، مع التركيز على وظائف محددة مثل الصيانة التقنية والتزود بالوقود وتبديل الطواقم وإعادة “تطبيع” صورة السفينة قبل الوصول إلى وجهات لاحقة.
ومن ضمن الأسماء التي يوردها التحقيق، تظهر سفن وتواريخ ووجهات قادمة أو مغادرة من لاس بالماس، بينها MT Energy Centurion وMT Arctic Bay وVinga وStar Epsilon، إضافة إلى Nordneptun (IMO: 9265005) التي يقال إنها قدمت من لاغوس مع توقف في لاس بالماس ثم مواصلة المسار عبر مضيق جبل طارق وصولا إلى أنتويرب في بلجيكا .
كيف تعمل الشبكة؟ من “تمويه الشحنة” إلى “سرقة الهوية البحرية”
لا يقتصر التحقيق على وصف محطات التوقف، بل يقدم سردا لآليات التهرب من العقوبات التي تستخدم لتأمين استمرار تدفق الخام الإيراني إلى الأسواق عبر قنوات ملتوية.
ويشير التحقيق إلى استخدام شركات واجهة وعقود غير شفافة ووسطاء تجاريين لتسويق النفط بخصومات مغرية لمشترين مستعدين لتحمل مخاطر العقوبات الأميركية والأوروبية. وفي هذا السياق يرد ذكر شركات مقرها منطقة الخليج كوسطاء داخل السلسلة التجارية، إلى جانب وسطاء وشركات تجارة مرتبطة بمسار الدفع والتسليم.
كما يورد التحقيق مثالا عن شحنة كبيرة قالت الوثائق إنها أرسلت في 2024 على متن السفينة Hecate (وكان اسمها آنذاك Atilan) بنحو مليوني برميل، مع الإشارة إلى أنه تم التصريح بأنها نفط ثقيل من منشأ آخر لإخفاء المصدر الحقيقي.
غير أن أخطر ما يتضمنه التحقيق يتمثل في ما يسميه تطورا في التكتيكات نحو “قرصنة وثائقية”، عبر اعتماد أسلوب سرقة الهوية البحرية بدل تغيير الاسم فقط.
ويعني ذلك، وفق التحقيق، أن ناقلات سبق إدراجها ضمن العقوبات لا تكتفي بتغيير اسمها أو مشغلها، بل تتقمص هوية سفن “شرعية” عبر نسخ وثائقها وأختامها وسجلاتها الرسمية، بما يسمح بتقديم أوراق مطابقة عند التفتيش أو أثناء إجراءات الملاحة.
ويورد التحقيق مثالين محددين، الناقلة Sarak (IMO: 9226968) التي يقال إنها عملت تحت هوية السفينة Fleves (IMO: 9597006) والناقلة Sobar (IMO: 9221970) التي يقال إنها استعملت هوية السفينة Petalidi (IMO: 9529475).
وتتضمن المراسلات التي يشير إليها التحقيق الحديث عن نسخ أختام رسمية وتزوير سجل الملاحة ووثائق تقنية من صنف Q88، وهي وثائق معيارية داخل قطاع الشحن البحري تستخدم لتقديم بيانات تقنية عن السفينة وحمولتها وتجهيزاتها.
لماذا يهم هذا الملف إسبانيا وأوروبا؟ حدود الوقائع ومخاطر العقوبات
يضع التحقيق جزر الكناري في موضع حساس لأنه لا يتحدث عن عبور بحري عابر، بل عن “استخدام وظيفي” لموانئ تجارية أوروبية داخل منظومة تهدف إلى الالتفاف على عقوبات دولية.
سياسيا، يرتبط ذلك مباشرة بالجهد الأميركي في تجفيف موارد طهران، خصوصا أن التحقيق يربط هذه العمليات بتمويل الحرس الثوري الإيراني، وهي نقطة غالبا ما تستخدم لتفسير التشدد الأميركي في ملاحقة الشبكات المرتبطة بنفط إيران.
وتكمن حساسية الملف قانونيا في أن العقوبات لا تطبق فقط على الشركات الإيرانية، بل قد تمتد إلى ما يعرف بـ“العقوبات الثانوية”، أي استهداف الأطراف التي تتعامل تجاريا أو خدماتيا مع البنية الملتوية التي تتمثل في شركات وسيطة، وشركات شحن، وشركات تأمين، أو مزودو خدمات ملاحية ووقود بحري.
المحرر :
من زاوية تحريرية دقيقة، يجب التمييز بين أمرين:
التوقف في ميناء لا يتعبر بحد ذاته دليلا على تواطؤ الميناء أو السلطات المشرفة عليه.
جوهر الالتفاف يحدث عادة على مستوى الوثائق والسلاسل التجارية والوسطاء والشركات الواجهة، وليس بالضرورة في موقع التزود بالوقود ذاته.
الأهم أن التحقيق يستند إلى تسريبات قالت WikIran إنها حصلت عليها، ما يجعل قوة السرد مرتبطة بمدى قابلية الوثائق للتحقق المستقل عبر أدوات أخرى مثل بيانات تتبع السفن، سجلات الموانئ، ومخرجات العقوبات الرسمية الأميركية (OFAC).
ومع ذلك، فإن نشر هذا النوع من التفاصيل عن موانئ الكناري يعزز فرضية أن الأرخبيل أصبح نقطة جاذبة لأساطيل “الظل” التي تبحث عن محطات تموين وصيانة في الأطلسي، وهو ما قد يفتح الباب مستقبلا أمام تشديد رقابي أوروبي أكبر على نشاط التزود بالوقود وتبديل الطواقم للسفن ذات المسارات المشبوهة.

