يشغل مفهوم الحكم الذاتي موقعا مركزيا في أدبيات تسوية النزاعات الإقليمية ذات الطابع القومي أو السياسي المعقد. فالكثير من الدول واجهت مطالب انفصالية أو احتجاجات قائمة على الهوية أو اللغة أو الصراعات السياسية، واختارت بدل الانفصال إعادة توزيع السلطة داخل الدولة الواحدة. بعض من هذه التجارب حقق استقرارا طويل الأمد، وبعضها احتاج عقودا من التعديل المؤسسي حتى بلغ توازنا مقبولا، وضمن إيجاد مخرج لوضعية انسداد دامت في غالب الأحيان عقودا من الزمن ، وجولات من الصراع خلفت جراحا غائرة في ذاكرة كل الأطراف.
غير أن كل نموذج نشأ في سياق محدد، وتطور ضمن شروط قانونية وسياسية مختلفة. ومقارنتها مع ملف الصحراء تفرض فحصا دقيقا لطبيعة كل تجربة، وآلية إقرارها ومدى ارتباطها بمسار قانوني مختلف يمنحها فرصة الاستمرار مع ضمانات دولية.
التحليل التالي يستعرض خمس حالات رئيسية، ثم ينتقل إلى تفكيك خصوصية الصحراء في الإطار الدولي.
جزر آلاند: السيادة المحسومة ونظام الضمانات المتعدد
تقع جزر آلاند بين فنلندا والسويد، ويقطنها سكان يتحدثون اللغة السويدية. بعد تفكك الإمبراطورية الروسية واستقلال فنلندا سنة 1917، طالبت السويد بضم الجزر استنادا إلى الرابط اللغوي والثقافي، فيما تمسكت فنلندا بوحدة أراضيها واعتبرت الجزر جزءا من كيانها الوطني.
في سنة 1921 قام الطرفان بعرض النزاع على عصبة الأمم، ودرست العصبة الملف في ضوء مبدأ الاستقرار الأوروبي بعد الحرب العالمية الأولى، فقررت الإبقاء على الجزر تحت السيادة الفنلندية. لكنها فرضت على فنلندا التزامات واضحة عبر منح الجزر حكما ذاتيا دستوريا، وحماية اللغة السويدية وضمان نزع السلاح والحياد الدائم.
وأصدرت فنلندا عقب الاتفاق قانون الحكم الذاتي الذي أنشأ برلمانا محليا يتمتع باختصاصات واسعة في مجالات التعليم والثقافة والبيئة والإدارة المحلية، ومنح الإقليم سلطة تنظيم شؤونه الداخلية في نطاق محدد. كما حددت آليات تنسيق دقيقة بين هلسنكي وسلطات آلاند.
ومكن الحل من خلال الجمع بين تثبيت السيادة وضمان خصوصية الإقليم من خلق توازن طويل الأمد، ولم تعد تبعا لذلك الجزر نقطة احتكاك إقليمي، وتحول الملف إلى مثال كلاسيكي على إدارة التعدد داخل الدولة الواحدة.
جنوب تيرول: تعقيد قومي وحل دستوري متعدد المستويات
يشكل جنوب تيرول حالة أكثر تعقيدا. فبعد الحرب العالمية الأولى انتقل الإقليم من النمسا إلى إيطاليا، ووجدت الأقلية الناطقة بالألمانية نفسها ضمن دولة جديدة مما دفع النمسا إلى الاحتجاج على سياسات إيطاليا خلال العقود اللاحقة، خصوصا في الفترة التي سيطرت فيها الفاشية على مفاصل السلطة في روما.
وجاء اتفاق دي غاسبري غروبر سنة 1946 ليضع أساسا لحماية اللغة والثقافة، غير أن التطبيق أثار جدلا حول مدى نقل الصلاحيات إلى المستوى المحلي. وشهدت فترة الستينيات توترات أمنية وأعمال عنف، ما دفع الطرفين إلى تطوير الإطار المؤسسي.
وفي سنة 1972 اعتمدت إيطاليا نظام حكم ذاتي موسع نقل صلاحيات كبيرة إلى المقاطعة، ومنح النظام الجديد الإقليم اختصاصات في التخطيط الاقتصادي والتعليم والثقافة، وسمح له بالاحتفاظ بجزء كبير من عائداته الضريبية، كمت أنشأ النظام آليات توازن بين المجموعات اللغوية، وفرض مبدأ التناسب في الوظائف العامة.
واستغرق التنفيذ سنوات طويلة، رافقه إشراف سياسي من فيينا وروما. وفي 1992 أعلنت النمسا رسميا أمام الأمم المتحدة انتهاء النزاع.
آتشيه: إعادة توزيع السلطة كبديل للاستقلال
عانى إقليم آتشيه الإندونيسي من نزاع مسلح قادته حركة انفصالية طالبت بالاستقلال عن إندونيسيا. وواجهت الحكومة الإندونيسية تمردا عسكريا دام لعقود، غير أن الكلفة الإنسانية والسياسية دفعتها إلى البحث عن تسوية.
وفي عام 2005 تم التوقيع على اتفاق هلسنكي الذي وضع إطارا جديدا للعلاقة بين جاكرتا وآتشيه، حيث نص الاتفاق على منح الإقليم حكما ذاتيا خاصا، مع السماح بإنشاء أحزاب سياسية محلية، وتقاسم عائدات النفط والغاز بنسبة مرتفعة لصالح الإقليم، وإدماج المقاتلين السابقين في الحياة المدنية.
وأصدرت الحكومة الإندونيسية قانونا ينظم حكم آتشيه، وأجرت انتخابات محلية سمحت للقوى السابقة بالمشاركة في المؤسسات.
بانغسامورو: الاستفتاء كآلية لإقرار نظام ذاتي داخل الدولة
في جنوب الفلبين، سعت الحكومة إلى إنهاء نزاع طويل مع جماعات مسلحة ذات خلفية دينية وقومية. وفي 2018 أصدرت السلطات قانون بانغسامورو العضوي لإنشاء إقليم حكم ذاتي في مينداناو.
ومنح القانون الإقليم مؤسسات تشريعية وتنفيذية خاصة، وحدد مجالات اختصاص واسعة في الإدارة والموارد المحلية. ونضمت الحكومة استفتاء محليا لتمكين السكان من المصادقة على النظام الجديد وتحديد المناطق التي تنضم إليه.
وصوت الناخبون على قبول النظام المؤسسي، ما منح الترتيبات الجديدة شرعية ديمقراطية محلية. وبقيت السيادة فلبينية، لكن الإقليم حصل على إطار مؤسسي مستقل نسبيا.
إيرلندا الشمالية: الاستقرار عبر تقاسم السلطة ومبدأ الرضا
أما في إيرلندا الشمالية فقد واجهت المملكة المتحدة صراعا طويلا بين قوميين يرغبون في الوحدة مع إيرلندا، واتحاديين يتمسكون بالبقاء ضمن المملكة المتحدة.
وجاء اتفاق الجمعة العظيمة سنة 1998 الذي أنشأ برلمانا محليا قائما على تقاسم السلطة، وأدخل مبدأ الرضا الذي يشترط موافقة أغلبية السكان في استفتاء منظم لأي تغيير في الوضع الدستوري.
هذا الإطار نظم العلاقة بين الإقليم والمملكة المتحدة، وحدد قواعد واضحة لأي تحول مستقبلي. المؤسسات المحلية لعبت دورا في إدارة التعدد، رغم استمرار التحديات السياسية.
الصحراء: الإطار الأممي وتعقيد مسار التسوية
يختلف ملف الصحراء عن هذه الحالات بسبب تصنيفها منذ 1963 كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي.وهو الأمر الذي يفرض التزامات قانونية مختلفة، باعتبار الأمم المتحدة راعيا حصريا للحل.
وتنص قرارات الجمعية العامة على أن تقرير المصير يمكن أن يتحقق عبر الاستقلال أو الاندماج أو الحكم الذاتي داخل دولة قائمة، شريطة أن يعكس ذلك الإرادة الحرة للسكان.
وفي ملف الصحراء، يدور الخلاف حول مدى إمكانية قبول الأطراف جميعها على صيغة سياسية تضمن سيادة المغرب الدائمة قانونيا على الإقليم كما تريد ذلك القوى العظمى، توازيا مع منح السكان المحليين سيادة سياسية في تدبير شؤونهم المحلية.
وتختلف حالة الصحراء عن اللائحة أعلاه في مسار التسوية المعقد أكثر منه في تطبيق حل الحكم الذاتي، فالصراع يتجاوز مسألة إدارية وسياسة إلى تدبير مخرج لصراع جيوسياسي ودبلوماسي دام لعقود بين المغرب الجزائر.
ومن خلال السوابق الدولية ، يظهر أن الحكم الذاتي يستطيع أن ينجح عندما يتم الحسم في الإطار السيادي أو تحديد قواعده بوضوح ،وهو الأمر المرجو من المشاورات الدائرة حاليا على الرغم من الصعوبات المطروحة، ويبدو أن الولايات المتحدة مصرة على إقناع الأطراف وبخاصة الجزائر والبوليساريو على التنازل عن مطالباتها المعروفة، في مقابل تسوية جامعة قد تشمل تفاهمات خارج نطاق ملف الصحراء ترتبط أساسا بعلاقات واشنطن والمنظومة الغربية بالجزائر، بالإضافة إلى ضمانات اقتصادية وسياسية.

