الأحد, فبراير 8, 2026
الرئيسيةرأي أطلس إنسايتلماذا صمتت الجزائر عن رسالة ترمب إلى الملك محمد السادس؟

لماذا صمتت الجزائر عن رسالة ترمب إلى الملك محمد السادس؟

في عالم الدبلوماسية، ليس الصمت دائما حيادا، بل قد يكون موقفا مدروسا بقدر الضجيج العلني. هذا ما يبدو جليا في تعامل الجزائر مع الرسالة الأخيرة التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الملك محمد السادس، والتي جدد فيها موقفه المؤيد للاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء.

فعلى عكس ردود الفعل الحادة التي أطلقتها الجزائر تجاه مواقف مشابهة من باريس ومدريد، مرت رسالة ترمب بهدوء شبه كامل، بلا بيانات رسمية ولا خطوات دبلوماسية علنية، وكأن الأمر لا يستحق التعليق.

تباين في السلوك الدبلوماسي

مع فرنسا، دخلت الجزائر في أزمة غير مسبوقة على خلفية رسالة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للملك محمد السادس التي ضمنها اعتراف بلاده بسيادة المغرب على الصحراء، وهو ما دفع الجزائر إلى استدعاء سفيرها في باريس، وإطلاق حملة إعلامية ودبلوماسية ضد فرنسا، ورفض استقبال مواطنيها المرحلين من الأراضي الفرنسية، ومهاجمة وزير الداخلية برونو ربتاريو عبر بيانات رسمية وتقارير إعلامية .

ومع إسبانيا، جاء الرد حادا أيضا عندما أعلنت مدريد دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي في رسالة سانشيز الشهيرة ، إذ سارعت الجزائر إلى تعليق معاهدة الصداقة والتعاون، وفرضت قيودا على المبادلات التجارية، وهددت مدريد بفرض ” عقوبات ” ! وأطلقت حملة إعلامية مكثفة قبل أن تتراجع بعدما تبين لها محدودية تأثير كل هذه الإجراءات  .

لكن الموقف تغير تماما أمام الولايات المتحدة، رغم أن اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء الذي أعلنه ترمب في ديسمبر 2020 يمثل تحولا استراتيجيا أكبر بكثير من أي قرار أوروبي مماثل. هنا فضلت الجزائر الصمت، وكأنها تختار معركتها بعناية.

أسباب محتملة للصمت

هذا الهدوء يمكن تفسيره بعدة اعتبارات:

1. براغماتية محسوبة: الولايات المتحدة لاعب أساسي في مجلس الأمن في قضية الصحراء، وأي تصعيد مباشر قد يضر بمصالح الجزائر الدبلوماسية والأمنية.

2. توازن القوى: المواجهة مع باريس أو مدريد يمكن التحكم في تبعاتها، أما مع واشنطن فالأمر يتعلق بقوة عظمى تملك نفوذا مباشرا على القرارات الأممية، ما يجعل الاحتكاك العلني محفوفا بالمخاطر.

3. غياب عنصر المفاجأة: عمليا الرسالة لم تحمل جديدا، بل كررت موقفا تم الإعلان عنه  قبل خمس سنوات، ما أتاح للجزائر مبررا ومخرجا لتجاهلها إعلاميا بحجة أنها لا تغير المعادلة.

4. حسابات التوقيت: الرسالة جاءت في وقت تواجه فيه الجزائر تحديات اقتصادية واجتماعية داخلية، وربما رأت الجماعة الحاكمة أن فتح جبهة سجال مع واشنطن سيشتت أولوياتها.

5.عزلة متفاقمة: تعيش الجزائر في الفترة الأخيرة شبه عزلة على المستوى الدولي والإقليمي ,نظرا لمواقفها في عدد من الملفات، أدت إلى دخولها في صراعات مع محيطها المباشر وغير المباشر.

الصمت في حالة رسالة ترمب لا يعني غياب الموقف، بل يعكس إدراكا جزائريا لمحدودية الخيارات في مواجهة قوة عظمى. فبينما قد يخدم التصعيد مع شركاء أوروبيين أهداف التعبئة الداخلية أو الضغط السياسي، فإن المساس بالعلاقات مع واشنطن قد يأتي بكلفة دبلوماسية عالية.

اختيار الصمت يتيح للجزائر الحفاظ على قنوات التواصل غير المعلنة مع الإدارة الأميركية، مع تركيز جهودها على ” معركتها” في أروقة الأمم المتحدة ومختلف المؤسسات الدولية لمعاكسة المزاج الدولي العام الساعي لإيجاد حل نهائي لملف الصحراء.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة