أطلس إنسايت – الرباط : الحلقة (3)
نشرت صحيفة لوموند الفرنسية بتاريخ 16 أكتوبر 1963، مقالا عن النزاع الحدودي بين المغرب والجزائر، وقالت أنه وفي تلك المرحلة لم يكن النزاع قائما على حدود مرسمة بوضوح، بل على ما وصفته الصحيفة بـ“خط استعمال إداري” تشكل بين سنتي 1930 و1960، وفق ممارسات يومية بين الإدارة الفرنسية في الجزائر ( أي الحكومة الفرنسية ) وضباط الشؤون الأهلية في المغرب.
الصحيفة أكدت أن مصدر الغموض يعود إلى غياب ترسيم قانوني واضح في المنطقة الممتدة من خط فارنييه قرب كولومب بشار إلى وادي درعة، حيث لم تكن هناك اتفاقيات حدودية حاسمة، باستثناء بعض المراكز التي جرى التعامل معها عرفيا على أنها مغربية أو جزائرية.

وبحسب لوموند، اندلعت المواجهات بشكل مباشر يوم 8 أكتوبر 1963، عندما قامت وحدة عسكرية جزائرية بإخراج عناصر “المخازنية” المغاربة من موقع حاسي بيضا، ما أدى إلى سقوط قتلى في صفوفهم. وفي 14 أكتوبر، رد الجيش المغربي بمحاولة استعادة الموقع مدعوما بمدرعات وطيران.

الصحيفة نقلت عن العقيد المغربي مدبوح تصريحه لوكالة فرانس برس بأن المواقع المتنازع عليها تقع في “منطقة لا يملكها أحد” (No man’s land).
وفي الجانب السياسي، أوضحت الصحيفة أن الحكومة الجزائرية، رغم حدة المواجهات، لم تغلق الباب أمام الحل السلمي، خاصة عبر وساطة الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، وفي الوقت نفسه أعلنت عبر وزير خارجيتها عبد العزيز بوتفليقة عرض الملف على منظمة الوحدة الإفريقية، استنادا إلى مبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار الذي تتشبث به الجزائر .

أما من جهته، فقد أعلن الملك الحسن الثاني أن قواته “استرجعت ” حاسي بيضا وتينجوب، ودعا إلى الالتفاف حول العرش، دون استبعاد الحلول الودية.
كما نقلت الصحيفة أن مقربين من القصر أوضحوا أن عبارة “الحدود الحقة” التي وردت في خطاب الملك تعني الحدود المصادق عليها عبر معاهدات دولية، والتي لا تنطبق سوى على الجزء الشمالي من الحدود.
وخلصت لوموند إلى أن الصحيفة لا تحاول تحديد المسؤولية عن بدء القتال، معتبرة أن جوهر الإشكال يتمثل في غياب ترسيم قانوني واضح للحدود، وأن استمرار القتال يرتبط بقرارات سياسية أكثر مما يرتبط بوقائع ميدانية.
كما أشارت إلى أن كلفة النزاع كانت سقوط عشرات القتلى من أجل نقاط صحراوية مهجورة تفتقر إلى قيمة استراتيجية فعلية، وأن احتمال بدء مفاوضات كان لا يزال قائما في تلك المرحلة.
رأي المحرر
يبرز من قراءة نص لوموند أن الشرارة العسكرية الأولى للنزاع لم تنطلق من الجانب المغربي، بل جاءت عقب تدخل وحدة عسكرية جزائرية يوم 8 أكتوبر 1963 لإخراج عناصر مغربية من موقع حاسي بيضا، ما أدى إلى سقوط قتلى وأطلق دينامية التصعيد.
وفي الوقت ذاته، تُظهر الصحيفة أن جوهر الخلاف لم يكن توسعا ترابيا بقدر ما كان نتيجة غياب ترسيم قانوني واضح للحدود في المقطع الجنوبي من الخط المغربي-الجزائري، حيث لم تكن هناك سوى “حدود استعمال إداري” موروثة عن المرحلة الاستعمارية دون تثبيت قانوني نهائي.
كما تعكس المعالجة أن الخطاب المغربي استند إلى مفهوم “الحدود الحقة ”، التي تم تعريفها من قبل مقربين من القصر على أنها الحدود المصادق عليها في المعاهدات الدولية، وهي بحسب لوموند لا تنطبق إلا على الجزء الشمالي من الحدود.
وتبرر الصحيفة أن الجزائر سعت إلى تثبيت مبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار عبر اللجوء إلى منظمة الوحدة الإفريقية، وهو ما منح جزءا من مقاربتها سندا قانونيا قاريا، على اعتبار أن المنظمة اعتمدت -رغم الخلافات -هذا المبدأ وكان المغرب من أبرز معارضيه آنذاك على اعتبار أنه يقتطع أجزاء مهمة من ترابه التاريخي لصالح البلدان الناشئة حديثا ، وتصر الجريدة على أن واقع الغموض القانوني الذي حكم المناطق المتنازع عليها ميدانيا كان سببا أساسيا في اندلاع المواجهات .

