تشهد إسبانيا منذ عدة أشهر تصاعدا مقلقا في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور عالية الضراوة، خصوصا في إقليم الأندلس، الذي تحول تدريجيا إلى بؤرة رئيسية لرصد الفيروس في الطيور البرية وبعض مزارع الدواجن. وقد دفع هذا الوضع السلطات الإسبانية إلى تفعيل إجراءات احترازية مشددة، شملت فرض الحجز الإجباري للدواجن داخل الحظائر في المناطق المصنفة عالية الخطورة، ومنع تربيتها في الهواء الطلق، في محاولة لاحتواء العدوى والحد من توسع نطاق انتشار الفيروس.
هذا التطور الصحي رافقته موجة تضليل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، روجت لرواية مفادها أن المرض “انتقل من المغرب”، وأن الاتحاد الأوروبي سمح بدخول الدواجن المغربية “دون قيود” أو دون احترام للمعايير الصحية الأوروبية.
هذه المزاعم تم تفنيدها رسميا من طرف منصة VerificaRTVE التابعة للإعلام العمومي الإسباني، ومن طرف وزارة الفلاحة الإسبانية نفسها، التي أكدت أن أي منتج من أصل حيواني لا يمكنه دخول الاتحاد الأوروبي دون الخضوع لمراقبة صحية صارمة عند النقاط الحدودية، وأن استيراد منتجات الدواجن من المغرب لا يتم إلا وفق إطار تنظيمي مضبوط تم إقراره منذ سنة 2022.
وشددت المصادر الرسمية الإسبانية على أنه لا توجد أي أدلة علمية أو وبائية تربط بين انتشار إنفلونزا الطيور في إسبانيا وبين الواردات الغذائية القادمة من المغرب، معتبرة أن بؤر العدوى المسجلة ترتبط أساسا بدينامية انتشار الفيروس داخل أوروبا عبر الطيور البرية، وليس عبر المسارات التجارية.
La UE no abre la puerta al pollo de Marruecos “sin restricciones” en pleno repunte de la gripe aviar, es falso https://t.co/bcC6fLcX4I
— RTVE Noticias (@rtvenoticias) November 24, 2025
المخاوف من انتقال الفيروس إلى المغرب… يقظة صحية رسمية وتدابير وقائية
ورغم نفي أي علاقة مباشرة بين المغرب وتفشي المرض في إسبانيا، لا تزال المخاوف قائمة من احتمال انتقال إنفلونزا الطيور في الاتجاه المعاكس، أي من شبه الجزيرة الإيبيرية نحو المغرب، خصوصا بفعل الطيور المهاجرة التي تعد ناقلا طبيعيا للفيروس عبر الحدود والقارات.
في هذا السياق، أكد المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (أونسا) لـ«أطلس إنسايت» أن المغرب فعّل نظام يقظة صحية مشدد لمنع دخول فيروس إنفلونزا الطيور عالي الضراوة إلى التراب الوطني، وذلك عقب إعلان المنظمة العالمية للصحة الحيوانية عن تسجيل حالات إصابة في عدد من الدول الأوروبية.
وأوضح المكتب أن هذه المقاربة الوقائية تقوم على تعزيز المراقبة الصحية للدواجن على المستوى الوطني، بتنسيق مع الدرك الملكي والمياه والغابات والسلطات المحلية، إضافة إلى تشديد الرقابة في نقاط الحدود، حيث لا يُسمح باستيراد الدواجن الحية إلا من البلدان والمناطق المصنفة سليمة وفق توصيات المنظمة العالمية للصحة الحيوانية، وفي إطار اتفاقيات صحية سارية المفعول.
وأفادت أونسا بأن المغرب لا يسمح باستيراد لحوم الدواجن ومشتقاتها وأعلاف الحيوانات من الدول غير الخالية من المرض، إلا إذا كانت هذه المنتجات قد خضعت لمعالجة حرارية “صارمة ” مطابقة للمعايير الدولية، مع إخضاع وسائل نقل الدواجن لعمليات تطهير إجبارية بنقاط التفتيش الحدودية.
كما تشمل الإجراءات رصدا ميدانيا مستمرا عبر أخذ عينات من الطيور المهاجرة في أهم المناطق الرطبة بالمملكة وتحليلها داخل مختبرات أونسا، حيث أكدت المؤسسة أن جميع النتائج المسجلة إلى حدود الساعة جاءت سلبية، ولم يتم تسجيل أي حالة لمرض إنفلونزا الطيور عالي الضراوة داخل التراب الوطني.
وعلى مستوى التربية، أوضحت أونسا أنها عززت المراقبة البيطرية داخل وحدات تربية الدواجن، خاصة في المناطق الرطبة، بتعاون مع الأطباء البيطريين الخواص ومصالح المياه والغابات، إلى جانب تقوية تدابير الأمن البيولوجي في أسواق الجملة للدواجن بالدار البيضاء والرباط، وتحسيس المهنيين بضرورة الالتزام الصارم بإجراءات السلامة الصحية.
ورغم هذه الإجراءات، تظل الهواجس قائمة لدى المهنيين والخبراء بسبب الانتشار الواسع للفيروس في أوروبا وسرعة تحوره، غير أن السلطات الصحية المغربية تؤكد أن الوضع الحالي مستقر وخال من أي حالة مؤكدة، مع استمرار العمل بمنطق الوقاية الاستباقية بدل التدخل المتأخر.

