الأحد, فبراير 8, 2026
الرئيسيةرأي أطلس إنسايتوقت استخلاص الدروس من "الكان"

وقت استخلاص الدروس من “الكان”

لم يكن بيان اتحاد السنغال لكرة القدم حدثا رياضيا عابرا ، ولا مجرد اعتراض تقني على تفاصيل تنظيمية. لقد كان في العمق، لحظة كاشفة لجزء من الحقيقة التي نحاول أحيانا تجاهلها: العلاقات لا تبنى بين الشعوب والدول على النوايا الحسنة، ولا على العواطف ولا على خطاب “الأخوة” وحده.

ربما احتجنا نحن المغاربة إلى تلك الصدمة الصغيرة، المأمول أن تدفعنا جديا لإعادة توجيه تعاطفنا وحبنا وكرمنا الزائد نحو أنفسنا أولا، بدل تصديره بالمجان نحو جنسيات  لا تربطنا بها روابط ثابتة أو مصالح واضحة..سوى محطات متفرقة من التاريخ، ولعنات الجغرافيا، وبعض المجاملات الرسمية .

صحيح أن الأمر يتعلق بكرة القدم. لكن كرة القدم في عصر شبكات التواصل لم تعد مجرد لعبة، لقد تحولت إلى مسرح رمزي مفتوح تعرض على خشبته مشاعر أعمق بكثير من نتيجة مباراة أو قرار حكم. فهي اليوم وسيلة للتنفيس عن مشاكل اجتماعية واقتصادية وميدان لتصفية حسابات سياسية، ومساحة مريحة لإنتاج خطاب عدائي دون كلفة…ومن ثم، لا غرابة أن تتحول بطولة قارية إلى سباق محموم لاختراع الروايات وتوزيع الاتهامات ونسج المؤامرات.

ما حدث خلال “الكان” وما سيأتي بعدها يعد درسا بليغا في فهم هذه الحقيقة. لقد رأى المغاربة كيف يمكن لبلد جار أن يستثمر في تشويه صورة بلد كامل بأكاذيب ساذجة ومضحكة أحيانا لكنها فعالة. وشاهدوا  أيضا كيف يمكن لإعلام بلد مشرقي “شقيق” أن يرفع في لحظة لغة الاتهام المباشر عبر ترديد عبارات من قبيل : المسرحية اشتغلت، كولسة، شراء الحكام،… وكأن الرياضة لا تفهم إلا كواجهة لمعارك أكبر. ثم تابعوا ( المغاربة ) كيف يتحول جزء من الرأي العام الإفريقي، على منصات التواصل، إلى ماكينة لإنتاج الإشاعة والتشكيك، لا تحتكم إلى أي دليل ولا تهتم بأي توازن.

لهذا، سيكون من الخطأ أن يقرأ هذا كله باعتباره دعوة إلى الانكفاء أو إلى مراجعة السياسة الإفريقية للمغرب. فالسياسة الإفريقية ليست ترفا، ولا انفعالا عاطفيا، بل خيارا استراتيجيا لا غنى عنه ، والمغرب يحتاج إفريقيا اقتصاديا ودبلوماسيا وأمنيا، وسيحتاجها أكثر في المستقبل.

لكن هناك فارق جوهري يجب ترسيخه: بين السياسة المبنية على المصالح، وبين الخطاب العاطفي الذي يصدر طيبة مفرطة على أنها رأس مال.

فالطيبة ليست سياسة، والكرم ليس استراتيجية، والابتسامة لا تمنع العداء حين تتحرك المصالح أو حين تستيقظ العقد.

والدرس الذي قدمته “الكان” للمغاربة يمكن اختزاله في أربع خلاصات عملية:

أولا: على المغرب أن يخفف من تسويق السرديات الرومانسية حول إفريقيا.

المصالح لا تحتاج  للخطابات الحماسية. إفريقيا ليست مساحة للعواطف، بل مجال للمنافسة على النفوذ والاستثمار والأسواق. وما يضمن الحضور ليس “الشعبوية العاطفية” بل المشاريع والاتفاقيات، والشراكات، والتوازنات المدروسة.

ثانيا: على المغرب أن يعزز علاقاته مع مراكز القرار داخل الدول الإفريقية، لا مع الصور النمطية.

في العلاقات الدولية، لا تبنى النتائج على النوايا بل على القوة الناعمة والصلبة، وعلى التراكم المؤسساتي، وعلى القدرة على تحويل التعاون إلى شبكة مصالح متبادلة.

ثالثا: يجب مراجعة تدبير ملف استقبال الوافدين بطريقة عقلانية ومنظمة.

ليس المطلوب إغلاق الأبواب ولا التحريض على أحد، بل المطلوب سياسة هجرة واضحة: قانون، تنظيم، اندماج مرتبط بالشغل، وحماية للتماسك الاجتماعي. لأن عدم الوضوح ينتج  التوتر، ويغذي التطرف ( العنصرية والكراهية ) في الداخل والخارج.

رابعا: والأهم.. أن يفهم المغاربة أن هذا العالم لا يكافئ حسن النية.

ليس هناك من يستحق كرم المغاربة مثل المغاربة أنفسهم.

وإذا لم نتعلم من “الكان” كيف تشتغل النفوس حين تتصارع الهويات والمصالح، فسنصطدم بنفس الدرس في ملفات أكبر، وبأثمان أثقل.

ويظل أفضل تلخيص لهذه القاعدة ما كان الملك الحسن الثاني يستحضره من حكمة قديمة:

Dieu préserve-moi de mes amis, mes ennemis je m’en charge.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة